السعيد شنوقة

189

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الخلق ، ولكن الله يحكم لمن يشاء » « 1 » . وقال الزمخشري في تفسير الآية الكريمة : لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ، وهو الذي علم الله أنه غير مطبوع على قلبه ، وأن الألطاف تنفع فيه فتقرب به ألطافه حتى تدعوه إلى القبول « 2 » . وفسر قوله عز وجل : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] الدالة على أن لكل نبي عدوا من الشياطين والجن أو من المجرمين من الناس قائلا : « وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر » « 3 » ، وقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً [ الفرقان : 31 ] فسره قائلا : كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه وكفاك بي هاديا إلى طريق قهرهم والانتصار منهم وناصرا لك عليهم « 4 » ، ولا يتفق مذهب المعتزلة مع هذا التقدير الإلهي في أصل الرحمة والعدل الذي يقتضي بأنه تعالى لا يمكن أن يضع أمام أنبيائه ورسله عوامل تخفقهم في أداء رسالاتهم تصحبهم عند أدائها ؛ لهذا قالوا : إن ( جعل ) لا يدل على معنى ( صنع ) فحسب ، وإنما يدل كذلك على معنى ( وضح ، وبيّن ) مع معنى ( عرّف ) ؛ فيصبح معنى الآية بهذا : أن الله أحاط كل نبي خبرا بمن يكون عدوا له ليتمكن من العمل ضده . وهو ما ذكره أحد الدارسين مضيفا أن الجبائي غيّر لفظ « عدوا » الثابت في القراءة المشهورة إلى « عدوّه » . وبهذا أضافوا إلى نهجهم في التأويل أداة التغيير الدلالي التي لا توافق أحد أصولهم إلى جلب أدوات أخرى أشرنا إلى بعضها قبل هذا كالمجاز ، وما يندرج ضمنه كالتمثيل والتخييل « 5 » . ومن تأويلاتهم لهذا الأصل ما ذهب إليه الزمخشري في قوله تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ

--> ( 1 ) الخياط ، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ، ص 182 . ( 2 ) الكشاف ، ج 3 ، ص ، 185 وكذا أبو الحيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 8 ، ص 315 . ( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص 45 . ( 4 ) م ن ، ج 3 ، ص 90 . ( 5 ) أنظر جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 153 - 154 .